«الوثيقة» التي دعا إلى تدشينها تحظى بقبول المتخصصين… ومطلقات يعتبرنها «فتحاً جديداً» … أكاديمي يشكّك في إحصاءات «العودة» عن «الطلاق» ويطالبه بـ «التثبُّت»

الرياض - أحمد المسيند وفاطمة العصيمي     الحياة     - 09/04/08//

لاقت الدعوة التي أطلقها الداعية الإسلامي المعروف الدكتور سلمان بن فهد العودة (الأحد الماضي) إلى الحفاظ على حقوق المرأة المطلقة عن طريق تدشين وثيقة طلاق خاصة، تحفظ لها حقها في السكن والنفقة وحضانة الأولاد وغير ذلك، صدى واسعاً وإيجابياً لدى شرائح المجتمع كافة، خصوصاً المطلقات، وتأييداً من أكاديميين معنيين بشؤون المرأة، إذ طالب العودة بضرورة وجود مؤسسات أو منظمات لرعاية شؤون المطلقات، حاثاً المرأة المطلقة على الخروج من أسر الحزن وقيد الألم وعدم الركون إلى اليأس، «فما لم تجده مع الزوج الأول من الممكن أن تجده مع الزوج الثاني»، منتقداً النظرة الاجتماعية للطلاق على أنه عار يلاحق المرأة، معتبراً أن المطلقات هم الأكثر نشاطاً في المجتمع سياسياً وثقافياً واجتماعياً.
ولاقت دعوة الداعية سلمان العودة استحسان الكثير من المتخصصين، إذ يصف أستاذ التربية الإسلامية في جامعة الملك سعود الدكتور إبراهيم العبود المبادرة بالجيدة جداً، وقال: «أتفق معه مئة بالمئة»، موضحاً، أن التطور الذي يعيشه المجتمع السعودي وكثرة أعداد الناس وضعف الوازع الديني، يجعل من هذه الوثيقة مطلباً مهماً لحفظ حقوق المرأة وتثبيتها، مشيراً إلى أن «المجتمع السعودي لم يكن كذلك في السابق، إذ كان الخير كثيراً والمرأة تأخذ حقوقها، لذا لم تكن هناك حاجة لمثل هذه الوثيقة، أما الآن فأشعر أنها ضرورة»، متوقعاً أن تسهم هذه الوثيقة في أخذ المرأة المطلقة حقوقها كاملة وتحصل على رعاية اجتماعية، وربما منحة إكرامية، معتبراً النظرة الازدرائية للمرأة المطلقة مسألة نسبية، ولا يمكن تعميمها، إذ إن هناك مطلقات تزوجن من رجال ربما لم يتزوجوا من قبل ووفقن معهم.
من جهته اعتبر أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمام والمختص في قضايا الطلاق الدكتور إبراهيم الجوير مبادرة العودة مهمة، لأن «كثيراً من الأزواج ينطقون بكلمة الطلاق، وبعد مرور فترة من الزمن يذهبون إلى محكمة العقود والأنكحة لتسجيل صك الطلاق بعد فترة من الطلاق الحقيقي، وتُحسب عدة المرأة من تاريخ الصك وليس من تاريخ الطلاق، مؤكداً أن وجود وثيقة لتنظيم الطلاق يضمن الحقوق والواجبات بالنسبة للرجل، وكذلك المرأة والأطفال»، مشيراً إلى أن المتضرر الأكبر من الطلاق هم الأطفال ثم المرأة ثم الرجل، لافتاً إلى أن الرجل يتضرر من الطلاق نفسياً واجتماعياً حتى وإن كابر، «الرجل يكابر، وكذلك ما أشار إليه الشيخ سلمان من أن بعض النساء يقمن احتفالاً بمناسبة الطلاق، يسمى «احتفال الزعل» وهذا من باب المكابرة».
وتحفّظ الجوير على نسب الطلاق التي أوردها الدكتور العودة في بيانه الصحافي، وشكك في صحتها، إذ ذكر العودة أن نسبة الطلاق في السعودية بلغت 45 في المئة، 80 في المئة منها بسبب سوء المعاملة بين الزوجين، و76 في المئة بسبب عدم تحمل كلا الزوجين المسؤولية، و72 في المئة بسبب إدمان الزوج أو تناوله الخمور، و66 في المئة بسبب تدخل الأهل، و63 في المئة بسبب شدة الغيرة، و48 في المئة بسبب عدم الإنفاق، و48 في المئة بسبب غياب الزوج عن المنزل، و44 في المئة بسبب تعدد الزوجات، و39 في المئة بسبب عدم الإنجاب، وقال: «لدي تحفظ على هذه النسب، وأنا أشكك في هذه الإحصائية، لأن الإحصاءات ربما تكون مضلِّلة أو مضلَّلة (بكسر اللام وفتحها)» لافتاً إلى أن حالات العودة من الطلاق والرجوع إلى الزوج لا تسجل، مستشهداً بقصة لأحد القضاة قام بتسجيل 500 حالة طلاق، رجع منها 450.
وطالب الجوير الدكتور العودة بالتثبت، «أرجو من الشيخ سلمان التثبت من هذه الإحصاءات، لأن له ثقة وقبولاً في المجتمع»، مشدداً أن هذه النسب تخيف الناس من الإقدام على الزواج، مستدركاً، «نحن لا نبرر للمجتمع أن نسب الطلاق تتزايد ولكن لا تصل إلى هذه النسب المهولة والمبالغ فيها».
وأكد أن حضور المرأة لساعة الطلاق - كما ذكر العود في بيانه - أمر مهم، وربما يلغي فكرة الطلاق من الأساس، مستشهداً بتغافل أحد القضاة عن الزوج ومطلقته في قاعة المحكمة، وطلب منهما الجلوس في المختصر، متعللاً بأن لديه أعمالاً، وكان القاضي متقصداً لذلك، وبعد جلوسهما مع بعضهما عادت المياه إلى مجاريها وتصالحا، بعد أن وصل الخلاف إلى دخول قبيلتي الزوجين.
وطالـــب الجويـــر بوجود اختصاصي اجتماعي في محاكم الطلاق، حتى يسهم في حل المشكلات، ويشجع الأزواج على الرجوع إلى زوجاتهم وكذلك المطلقات، إضافة إلى تحرير صك الطلاق بشكل صحيح وعميق، وتذمر من ذكر أسباب الطلاق التي تكتب في الصكوك، مثل طلقها بسبب وجبة غداء لم تقم بها، وقال: «لا يمكن أن يكون هناك رجل يطلق امرأته بسبب وجبة غداء، ولكن هناك تراكمات سابقة، جعلته يطلقها، وكان الغداء مثل القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ لا يمكن لقشة وحدها أن تقصم ظهر البعير، ولكن حمل على حمل جعلها تقضي على ظهرها»، معتبراً تسبب وجبة الغداء في الطلاق منتهى السطحية.
واتفق الجوير مع العودة في أهمية تفعيل المؤسسات الاجتماعية المدنية من أجل أخذ حقوق المطلقات، «أحياناً يظلم المجتمع المرأة المطلقة ويقسو عليها، ولا يكون لها نصيب في أي شيء، وحبذا لو كانت هناك مؤسسات شبه حكومية، وبإشراف من الشؤون الاجتماعية، تدرس حالات المطلقات، ليس من باب الصدقة عليهن ولكن من أجل العناية بحقوقهن وتوفير الوظائف للمحتاجات»، مشدداً على أهمية الحفاظ على عزة وكرامة المطلقة، مشيداً بالجمعية الناشئة (جمعية الطلاق السعودية) التي قامت بجهد فردي.
من جهتها، أكدت الكاتبة الصحافية المتخصصة في شؤون المرأة عالية الشلهوب أن ما دعا إليه الشيخ الدكتور سلمان العودة حول تدشين «وثيقة طلاق» للحفاظ على حقوق المرأة بدلاً من صك الطلاق بوضعه الحالي الذي ليست له حاجة في أحيان كثيرة، كما قال فضيلة الشيخ في بيانه، يأتي ضمن أمور كثيرة من الأنظمة المدنية والشخصية التي تحتاج إلى إعادة نظر، فمتطلبات وتغيرات العصر التي طرأت تتطلب التكيف معها في أمور عدة.
وأضافت «وكما ذكر الشيخ أن هناك حالات كثيرة من المطلقات اللاتي لديهن أبناء يعانين كثيراً من عدم وجود ضوابط تفرض على الأزواج السابقين حقوقاً مثل نفقة الأبناء وحضانة الأولاد والمسكن ووثائق الإثبات الرسمية وغيرها».
… عامان بلا «إثبات شخصية» ولا طلاق

تعتبر لبنى (إحدى المطلقات) أن الوثيقة فتحٌ جديد إن تم العمل بها فعلياً، وترى أنها نتاج نداءات كثيرة توجهت بها النساء لفترة طويلة من أجل النظر في قوانين الأحوال الشخصية وتحسين أمور النساء القضائية، وضرورة تعيين النساء للعمل في المحاكم والذي ربما يحسن الإجراءات المتعلقة بهذه القضية ويحافظ على كرامة المرأة وأبنائها. وتقول:«يحق للجميع أن يتحدث ويبدي رأيه، فآخر من يُسمَع لها رأي هي المرأة المعنية بالطلاق، وهي الطرف الأكثر تضرراً، خصوصاً إذا كانت أماً وهي من سترعى شؤون أطفالها بعد الطلاق». وتضيف: «في مجتمعنا يحدث الطلاق والمرأة لا تعلم بشأنه، وتصدر المحكمة صك الطلاق من دون وجود الزوجة، وكأنه أمر لا يخصها، ويحدث الطلاق وينتهي الأمر بورقة فقط من دون أن يلحق فيها أمر بنفقة لأولادها، خصوصاً إذا كانت لا تعمل»! وتطالب لبنى بنشر ثقافة حقوق المرأة الإنسانية التي صادقت عليها المملكة مع الأمم المتحدة، لأنها في حاجة إلى معرفة حقوقها القانونية والفقهية التي صدرت من الشريعة الإسلامية، ولكنها مغيبة عن الكثير من النساء، ومن المؤكد أن الرجل حين يدرك ما للمرأة وما عليها فقد يحد ذلك من نسبة الطلاق، لأن فيه رادع حين يكون الطلاق تعسفياً». حال أخرى من الواقع لإحدى السعوديات تعاني معاناة شديدة من زوجها السابق وقد مضى على انفصالهما عامان كاملان بعد أن طلبت الخلع، وبقي موضوعها معلقاً وتائهاً أمام أبسط حق من حقوقها، مثل الحصول على إثبات شخصية لها لرفض الزوج تسليم أصل دفتر العائلة، موضحة:« سأبقى حائرة مثل الكثيرات لحين وجود نظام صارم يحفظ هذه الحقوق»، وتأمل بأن يكون الحل في «وثيقة الطلاق» التي دعا لها الشيخ سلمان العودة.

المصدر : http://ksa.daralhayat.com/woman/04-2008/Article-20080408-2f69e6f6-c0a8-10ed-01e2-5c730e209c90/story.html

شارك بتعليقك