علاقة زوجية : أم أداء وظيفة ؟

السؤال :
ذهبت إلى أوروبا لمتابعة دراستي، وهناك التقيت بفتاة من بلدي كانت بحاجة لمساعدة, وصرنا نخرج سوياًّ بعض الأحيان, الفتاة أعجبت بي، وقالت لي إنها تريد الزواج بي، ولكني رفضت، وأبديت لها إعجابي بأخلاقها. الغربة فرضت علينا أن نخرج سوياًّ بعض الأحيان، ولكني وإياها كنا في منتهى الأدب في الأفعال والأقوال, وقلت لها إني لا أستطيع الزواج بك، بسبب الاختلافات بيننا، وهي رغم أخلاقها الحميدة، فهي غير متدينة، وغير محجبة، وعائلتها غير ملتزمة على العكس منا تماماً,كما أنني لا أحبها، وهي ليست الفتاة التي أحلم بها من ناحية الشكل والجمال, بعدها أخذت تناقشني في الدين، حتى قالت لي إنها ستتحجب وتصلي، وبالفعل بدأت تصلي وتصوم، وقالت إنها سترتدي الحجاب.
انتهت دراستها، وكان يجب عليها أن تعود إلى بلدها، لكنها قالت لي أريد أن أرتبط بك فأنت سبب هدايتي، ولا أريد أن أعود إلى محيط أهلي غير المتدين الخ.. أنا بدأت أعيش في قلق: هل أكسب فيها أجراً؟ أبعدها عن أهلها؟ فقلت لها عودي، واستشيري أهلك، وأنا أيضاً أستشير وأستخير، وإن كان هناك نصيب فسيقدره الله, وبالفعل عادت وقالت لأهلها ورفضوا؛ لنفس الأسباب التي ذكرتها، وأهلي أيضاً رفضوا.
استخرت الله كثيراً ولم ينشرح صدري للزواج، فقلت لها لا نصيب بيننا, عندما رجعت زيارة إلى بلدي قالت لي: إن أهلي يريدون أن يلتقوا بك، فقبلت، وتحدثت معهم كابن لهم، وبدأت ألين معها، وقلت لها إن كنت تريدينني فأقنعي أهلك ففرحتْ كثيراً، وضغطت على أهلها فوافقوا وخطبتها وتزوجتها، ولكن أجلنا الدخلة إلى أن تلحقني إلى أوروبا, ورجعت أنا وبعد شهر لحقت بي.
وبدأت المشكلات, هي كانت قد تحجبت، ولكنها قالت لي سأخلعه عندما آتي أوروبا؛ لأنك تعرف وضع المحجبة هناك، فعارضت وبعدها قبلت، وفي نيتي أنها ستغير رأيها عندما تتعمق في الدين, ولكن هذه المشكلة بدأت تزعجني، ولم أستطع أن أتقبل أن زوجتي بدون حجاب، وبدأت أشعر بأنني ديوث, حاولت إقناعها ولكن بدون جدوى, وتقول لي نحن اتفقنا على هذا, هي مقتنعة بالحجاب، ولكن لا تستطيع أن تتحجب هنا, وهي ملتزمة بالصلاة وأخلاقها ممتازة.
بدأت أشعر بالندم، وبدأت تتوالى المشكلات المادية، والظروف الصعبة, حتى جنسياً لا أرغب بها، وكأني أقوم بواجب بدون متعة، وصرت أكتشف حجم الهوة بيننا في الثقافة، وخاصة منها الدينية، وتعبت كثيراً، وصرت أندم، وأتمنى لو أن الزمن يعود, وأشعر أنها هي أيضاً تتمنى مثلي لأنها غير سعيدة، وأحياناً تصرح بأنها كانت قبل الزواج أسعد,
أفكر بالطلاق، وأجد نفسي سعيداً جدا، وأقول سأعود كما كنت لحياتي وطموحاتي التي اندثرت، ولم أعد أجد أي نكهة للحياة، وعندما أرى فتاة أخرى أتحسر، وصرت أكره الزواج، وأعيش في قلق لا يعلمه إلا الله، ومما يشجعني على الطلاق أختها وأمها المتبرجتان، فأخشى أن يقمن بزيارتنا بتبرجهما هذا. فأنا أريد الطلاق ولكن أخاف من الظلم، أخاف أن تدعو علي في ظلمات الليل، وتشكيني إلى الله, ولكن في الوقت نفسه أقول إن الطلاق مشروع، ورغم هذا فأنا لا أنكر أن زوجتي أخلاقها عالية وودودة ومؤدبةً جداً، ومن قاصرات الطرف، ومترفعة عن التوافه، ولكني بالإضافة إلى المشكلات السابقة لا أحبها، وفي الوقت نفسه لا أكرهها ولا أنسجم معها، ونفسي تهفو إلى الأخريات، ولا أستطيع الزواج بأخرى؛ لأنني وعدتها بذلك, فأرشدوني ماذا أفعل؟
الجواب :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
1- أقدر لك ما تتمتع به من تدين وصلاح، وقد اطلعت على معاناتك بما ذكرت في رسالتك، والتي انتهت بالزواج، وكان بعد استشارة واستخارة وتروٍ.
2- زوجتك تتمتع بصفات حميدة حسب وصفك لها، فقد قلت عنها: “إن أخلاقها ممتازة” وقلت: “زوجتي جيدة والله، وأخلاقها عالية وودودة ومؤدبة جداً، ومن قاصرات الطرف، ومترفعة عن التوافة” وهذه الصفات الكريمة قلَّ أن تجتمع في امرأة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “تزوجوا الودود الولود..”.
3- يجب أن تعلم أن البيوت لا تبنى على الحب فقط، فقد قال الله عز وجل: “وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً” [الروم:21]. فقد تذهب المودة وتبقى الرحمة بين الزوجين، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يفرك مؤمن مؤمنة –أي لا يبغض- إن كره منها خلقاً رضي منها آخر”. أخرجه مسلم(1469).
وجاء رجل إلى عمر –رضي الله عنه- وكان أمير المؤمنين- وقال: إني لا أحب زوجتي –يريد منه فتوى في طلاقها- فضربه عمر، وقال له: “وهل تبنى البيوت على الحب، فأين الرعاية والتذمم”.
والقرآن الكريم يحث الزوجين كليهما بالمعاشرة بالمعروف حتى مع الكره بينهما. يقول الله جل وعلا: “وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً” [النساء: 19].
4- ما أراه في معاناتك لعل سببه ما يلي:
أ- أن من طبيعة الحياة الزوجية أن ينتابها الفتور.
ب- أن يحدث الملل –في بعض الأحيان- في الأشهر الأولى؛ لتغير حالة الإنسان من الحرية وأحادية الرأي والاختيار، إلى الارتباط والقيادة والمشاركة.
ج- أن من طبيعة الإنسان أن يزهد بما في يده، ويتوق لما في يد غيره.
5- عدم التزام والدة زوجتك وأختها بالحجاب هو أمر لا يضرك وزوجتك بشيء، ولكن عليك السعي في متابعة زوجتك في الحجاب، ودعوة والدة زوجتك وأختها إلى الحجاب، وألمس فيك تقوى وصلاحاً وقدرة على دعوة أهل زوجتك وغيرهم، فلأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم.
6- حاول في هذه الفترة ألا تنجب أطفالاً، واسعَ بإقناعها بالتي هي أحسن، وذكرها بأن الحجاب عبادة لله، وليس عادة، فإذا لم تلتزم به بعد طول محاولة، فلك أن تنتقل إلى مسألة الطلاق، واجعله آخر الحلول، وفي هذه الحالة لو طلقتها لن تصاب بتأنيب الضمير، ولو دعت عليك –كما تتخوف –فلا تضرك إن شاء الله.
والذي أنصحك به الصبر عليها، فالصالح من النساء قليل، وانظر إلى إيجابيات زوجتك، فهي تعتبر من خيرة النساء –كما وصفت- وعليك بالصبر عليها، والأيام كفيلة بتحسن الأوضاع، كما أوصيك بتقوى الله، يقول جل وعلا: “وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ” [الطلاق:2-3].
واسأل الله لكم حياة زوجية سعيدة في طاعة الله عز وجل.

شارك بتعليقك